‏إظهار الرسائل ذات التسميات عاشورائيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عاشورائيات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 يناير 2009

ذكرى ليلة العاشر من محرم الحرام





ما زالت زينب عليه السلام في ذكرى ليلة العاشر تلملم بقايا جراحها ، ُتفجع في كل حين قبل أن تداوي جرحها السابق. تصب سيلا ً من الدموع أشد من الدماء المهدورة في ساحة الميدان، جالسة بين خيام مليئة بالنساء الثكلى وأيتام الصغار أتعبهم البكاء و العطش الشديد.

بعد أن فطرت مشاهد كربلاء قلب زينب عليها السلام، احتارت فيها الجراح و المصائب من أي صوب تأتيها بعد أن أشبعتها و ملأتها و بل و فاضت عن جوانبها حتى خلتها تسقي الأرض بالمصائب العظام.


جلست زينب عليها السلام وحيدة بين الخيام تستعيد شريط ذكرياتها و تقلب صفحات الماضي, أيام دلالها و خدرها المحصن في كنف والديها و أخوتها، و كيف أمست الآن بعد إن فقدتهم جميعا ً دون أن يكون معها في غربتها و ضيعتها من يرجعها لمدينة جدها إلا عليل ضعيف.


و هي في تلك الحالة غفت عينها للحظات قصيرة و لا أظنها قد غفت فعلا ً فإن صح التعبير فهي قد سارت بفكرها لأمها، فوجدت نفسها في حضن أمها فاطمة الزهراء عليها السلام و هي تمسح على رأسها و تسليها، محاولة أن تخفف عليها حزنها و غربتها. فتبدأ زينب تشكي حالها و مصابها لأمها و عينّاها تفيض بالدموع التي تكاد تغرقها في بحر الألم، تعثرت زينب ببدايتها التي فقدتها من كثرة الأهوال و الهموم. فسبقها لسان الزهراء عليها السلام برواية سطور الألم و ما أورثه كسر ضلعها لهذا اليوم..


فبدتا كسحابتي حزن ٍ إلتقيتا في سماء الصبر و أهلتا دموع العين على شيعتهما ليسقوهم دروس الصبر و الإباء.


السلام عليك ِ يا أم المصائب .. السلام عليك ِ يا عاصمة الصبر .. السلام عليك ِ يا زينب.

في ذكرى ليلة التاسع من محرم الحرام..



إهداء لروح الأستاذ / عمران حسين .. رحمه الله





حملت لنا الرسالة الكربلائية دروس عظيمة حيث لم تكن مجرد معركة انتصر فيها الدم على السيف، بل استطاعت هذه الملحمة التاريخية أن تكون إماما ً مبينا ً ينير دروب الضالين و ترسم لنا طرق النصر و العزة و الكرامة و طرق التضحيات و الفداء من أجل إعلاء كلمة الحق..كما احتوت هذه الرسالة أيضا ً على أفصح و أجمل آيات الأبوة و الأخوة و الغيرة التي تجسدت في ليلة ذكرى ليلة التاسع من محرم الحرام.


عرفت درس الأبوة حين رأيتُ عين الحسين ممتلئة بالدموع و قلبه الذي فاض بالحسرات على شباب ابنه الراحل و هو يقدمه للمنون و يأذن له بالقتال، يرفع طرفه للسماء و كله ألم قائلا ً (اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك محمد خلقاً وخُلقاً ومنطقاً، وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه). يشترك أمل الحسين عليه السلام و ذخر أيامه في أجواء المعركة لابسا ً تاج الخلائق المحمدية و الشجاعة العلوية، مذكرا ً قوم نسوا إنهم يقاتلون أبناء علي ابن طالب عليه السلام راسما ً بسيفه لوحات النصر لأبيه الحسين صابغا ً إياها بأحمر الدماء.



تنجلي الغبرة عن ساحة المعركة و تتضح الرؤية قليلا ً… وإذ بالحسين جنبا ً لجنب مع ابنه علي الأكبر نيام على ساحة المعركة. ملكا العالم بفعلهما، أوقفا مسير الساعات للحظات و هاما في عالم الخيال ليسقون عطشى العالم عذب الآلام, و لكن سرعان ما عادت الحياة في عروق الأسد الغيور من جديد بعد إن لاحت في الأفق العقيلة زينب قد شبكت بحزن العالم أصابعها فوق رأسها و كأنها تمسك و تمنع روحها من الخروج من أوجاع جسدها.

لأن الغيرة ما غابت و لأن الروح ما راحت ، لذلك رأيت الحسين يشد جرح قلبه بالصبر نافضا ً غبار الثكل و الوجع و يسرع نحو أخته مخدرة أبيه ليحيطها بحجاب وجوده بينها.


و قبل أن يسكن ألم جرح علي الأكبر يفجع الحسين عليه السلام من جديد بجرح أبنه الأصغر عبد الله الرضيع.. و هكذا كان الحسين يتلقى الجراح على الجراح و يشرب كأس الآلام كلما اشتد به الظمأ و ينسى ألمه السابق بألم جديد أشد و أفجع..

في ذكرى ليلة الثامن من محرم الحرام..




شدني ما يصنعه الحسين عليه السلام في ذكرى ليلة الثامن , و في نفس الوقت لم أجد له تفسير و هذا ما دفعني للتقرب منهم لمعرفة ما يجري هناك.. فبالقرب مني ساحة معركة عظيمة ملونة بدماء غزيرة و أوصال مقطعة هنا و هناك، و قبل قليل فقط كان الحسين عليه السلام ينعاهم ألما ً و يبكيهم دما ً و ها هو الآن يخرج بجنازة من بين الخيام تحيطها نسوة ثكلى و أرامل حيارى و أطفال أيتام مائلين كربلاء بالصراخ و البكاء و العويل، تتضح الرؤية قليلا ً فيبدو لي أنها زفة لصبي عمره يقارب الخامسة عشر ربيعا ً أو أقل وجهه كفلقة القمر به محاسن وملامح الإمام الحسن عليه السلام..


ازداد بما أرى حيرتي و دهشتي, زفة !! و في هذا المكان ؟ بعد كل الذي جرى ؟ ما الذي يحاول أن يصنعه الحسين عليه السلام و من هذا الصبي و أين رجال الحسين عليه السلام؟ ..


كثرت في داخلي الأسئلة و لم أجد لأي منها جواب.. تسلسلت أكثر لأكون في أوساط الزفة علني أنقذ نفسي من حيرتي .. يجيب على أسئلتي صوت منكسر لطفل صغير قائلا ً أن الحسين يزف القاسم ابن الحسن لعرس الشهادة و تلك المرأة الجالسة هناك هي أمه تذرف هموم قلبها سيلا ً على خديها عله يطفئ نار حزنها و ضياع آمالها و ذخر لياليها .


تنتهي مراسم الزفاف الحزينة التي رسمت بريشة الحزن و الألم وخضبت بالدماء بعد لحظات قصيرة, و يبرز العريس الذي ودع أمه بالدموع و طلق الدنيا و السنون للمعركة ملبيا ً نداء عمه و عاملا ً بوصية والده، تاركا ً خلفه المزيد من الحسرات على فقد الشباب..

في ذكرى ليلة السابع من محرم الحرام..


..


أبا الفضـل ِ يا من أسـسَ الفضـــلَ والإبا .. أبا الفضلُ إلا أن تكـونَ لهُ أبـا


..
تتماوج ساحة كربلاء و كأن عاصفة رهيبة قد باغتتها فهناك من يسقط صريع و هناك من يهرب من ساحة المعركةخوفا ً .. تقدمت و كلي خوف لأرى من الذي أفزعهم و أشاع في نفوسهم الخوف..
..

رأيت فارسا أذهلني بأسه الشديد.. يذهب متقدما للموت في ساحة المعركة و هو عنه بعيد و كأن الموت مسخر بين يديه يرميه على من يبرز له، يتقدم بكل شجاعة و بسالة يطعن هذا و يضرب ذاك و يرمي برمحه آخر... يخترق صفوف القوم و كأنهم ورقة بين يديه إن شاء مزقها أو طواها تحت يديه..يرفع صوته بالتكبير " الله أكبر " كلما قتل احد منهم يلوح بسيفه فوق رؤوسهم صارخا ً هل لجهنم من مزيد.. و كلما صال و جال في ساحة الحرب ازداد القوم خوفا و هلعا و كثر في صفوفهم القتلى و الجرحى..
..
دخلت بين أوساط القوم ابحث لسؤالي عن جواب من هذا الفارس الشجاع؟ بالله عليكم أجيبوني .. فمنهم من يقول انه غضب من الله تعالى أنزله على القوم و منهم من يقول انه علي ابن أبي طالب جاء لنصرة ابنه الحسين عليهما السلام و كثرت الأحاديث و الأقاويل و ارتفع الضجيج بين الناس حتى كشف هو عن لثامه فبان حسن جماله و سطع نور وجهه ، فاحترت في أمري أهو علي ابن أبي طالب أم يوسف الصديق إلى أن أخذ القوم يصرخون في بعضهم
" ويحكم انه العباس ابن علي ابن أبي طالب ( عليهم السلام)"، فبطل بعدها عجبي و اكتشفت سر شجاعته و جماله..
..
يترك العباس قيامة الحرب بعد أن ملئها رعبا و جزعا و يمضي لخيام الحسين عليه السلام ليملئها سكينة و هناء .. يهدأ من روع النساء و الأطفال يطفئ بوجوده بينهم لهيب الخوف و الظمأ و يسكن الصراخ و العويل.. تضمه تلك و تشمه أخرى و تفرح مستبشرة لعودته زينب عليها السلام.. يعم الهدوء في الخيمات من جديد بعد إن عاد كافلهم و حاميهم و تضج مرة أخرى لخروجه..